إذا أردنا أن ندرس الثقافة في بيشة ونطرق بابها وأزمتها وسبل ترميمها وإعادتها للوجود بما يجب لها وعليها علينا أن نفهم ونبحث تاريخ هذه المحافظة والبقعة الضاربة في أعماق التاريخ والملئي أرشيفها بالأخبار والأشعار والسير ( بيشة ) مدينة الأسرار .
بيشة في الجاهلية كانت ساح حرب بين عرب الشمال والجنوب وذلك لما تتمتع به من إنبساط في أرضها وغنى في مواردها حيث أن غنى مواردها كان سبب إستقطاب لفئات وجماعات بشرية ضمخة من كافة أطراف ووسط الجزيرة العربية فأختلطت الثقافات واللغات والموروثات فتشكلت في قالب بيشة فتخمض رحم الحياة والعوامل التاريخية والإقتصادية عن بيشة المكان والانسان المتصالحة مع نفسها والطرف الأخر فهنا تشكل الطرف والطرف المضاد.
في حقبة الأمويين كما يذكر ياقوت الحموي كانت أول ولاية يليها الحجاج الثقفي تبالة من إقليم بيشة وعندما أقبل عليها قال لمرافقه اين هي قال خلف الأكمة تلك فقال والله لا أليها أبدا وكر راجعا , وفي حقبة العباسين كانت ذات مكانة إقتصادية ومركز مالي ضخم ففي قرية العبلاء غرب بيشة كانت تسك العملة العباسية وتنتشر في كافة أنحاء الخلافة , وفي حقبة الدولة السعودية تم تأسيس مركز بيشة عام 1336هـ كأول مركز في الإقليم الجنوبي والغربي .
وفي التراث الديني والادبي نجد بيشة حاضرة وبكل ثقل فارضة نفسها وبكل ثقل بما تحويه في جلبابها من محزون ثقافي وإرث قديم فنجدها حاضرة في شعر الخنساء تماضرالسلمية وعبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
كأنهم في الوغى والموت مكتنع أسد ببيشة في أرساغها فدع .
وجات في السنة ووفد بيشة وجرير بن عبدالله ووفد خثعم وأنس بن مدرك وأحاديث كثيرة منها حديث جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه .
ولو أطنبنا في تاريخ بيشة لما وسعتنا المجلدات حيث أنها بعيدة القاع في التاريخ .
فبيشة مدينة تصالحت مع نفسها فتصالح الغير معها وأنجبت أدباء وشعراء ومثقفين لا حصر لهم وأقلامهم طرقة أسماع العالمية وأبواب العرب لكن الثقافة في كل بلد تمرض وتنشط كما ينشط البعير من العقال , ولكن ( بيشة ) أطالت في سبات بعيد لايقظة منه وذلك لأسباب كثيرة ومنها :
إصابت بعض مثقفيها بداء المثقفين والذي ينطوون فيه على أنفسهم ويعيشون أحلاما تطير بهم إلى مدينة الواق واق على خيل بلق لها أجنحة تطرق بهم أبواب السماء فتأتيهم الدعوات الرسمية لكل حدث ومناسبة وماعلموا أن العلم ينشر بين الناس ولا يكتم .
والمثقفين الذين يحييون ويموتون من أجل أقلامهم ويريدون نشر المعرفة في الناس نشطا المعرفة هجروا الديار لأقاليم من الوطن ليجدوا أنفسهم فيها وتجدهم فنفس المثقف كالطير لاترتبط بنطاق وماهجرتهم الا لغياب الدور الحكومي ورجال الأعمال .
أيضا السبب الأهم غياب المؤسسات الحكومية ومظلة ينظوي تحتها المثقفين توفر المكان والمال وتستضيف المثقفين من كافة أنحاء العالم لتشكل في قالب بيشة ولتخرج منه مزيج ثقافي ينشر العلم والمعرفة والسلام للعالم ( مركز ثقافي أو نادي أدبي ).
وكان من اسباب غياب المثقفين إنتشار القبائلية وبرزها على الساحة من خلال دور التجارة و منافذ البيع بيع الكتب من خلال كتب الشعر والأنساب وفي دواوين الحكومة وفي الشوارع والميادين , وأخطر الأسباب تسرب المثقفين وبقاء بيشة في غياهب الجهل والظلمات الأبدية .
أيضا نجد الإعلام في بيشة يتوارى خلف الظل ويغط في النوم وله شخير فليس له القوة التي تبرز بيشة كالاعب أساسي في الحركة الثقافية على مستوى الوطن الكبير .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق