مكث الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر سنة يدعوا للاسلام
وكان يؤسس للأخلاق فقط قبل المعاملات والعبادات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان يخشى أن يكون إسلاما ماديا أو طبقيا أو كهنوتيا ,وكان يعلم أن أساس كل حضارة هي
الأخلاق كما يقول صلى الله عليه وسلم ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فإذا لم
يكن هناك عرى وثقى من الاخلاق تتشبث بها البشرية ستزول وتسقط وتندثر ولو كانت أمة
حضارة مادية وعسكرية ونحوها وعندما سئل جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه من قبل
النجاشي ملك الحبشة إلى ماذا يدعوا نبيكم قال يدعوا للعفاف وصلة الرحم وحسن الجوار
ونحوها .
دخل ربعي بن عامر بثوب مرقع وراس معصوب وبطن عليه حجر من الجوع على
رستم بالقادسية برمح مجبر بالخرق يتكي عليه ويمزق الفرش والنمارق حتى وصل إلى
رستم فقال رستم مالذي جاء بكم أيها الأعراب الاجلاف فقال جئنا لنخرج الناس من عبادة
العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى وسع الاخرة ومن جور الأديان إلى عدل
الاسلام هذا ببساطة مبدأ من الأخلاق الإسلامية العربية التي إندثر بعضها مع إنتشار
الرأسمالية الغربية في أوساط العرب .
بعدما أسس الرسول صلى الله عليه وسلم مبادي الاخلاق توجه لتأسيس
الدولة وماكان للدولة أن تنجح وتقوم على أساس ثابت رغم قلة إمكانيتها بين
إمبراطوريتين عظيمتين كفارس والروم لولا الأخلاق التي هذبت المواطنيين وجعلت من
المادية في ذيل إهتمامهم وكان جل إهتمامهم فقط نشر الأخلاق التي تربوا عليها ولذلك
رفضوا القصور التي كانوا يدخلونها ويفضلون البقاء على الأرض وأرسلوا للفاروق رضي
الله عنه بكنوز كسرى حتى قطع الالماس الصغيرة ولم يغلوا منها قطعة واحدة لأن أنفسهم
لم تكون تتوق للماديات وإنما لكمال النفس البشرية وإرتباطها بخالقها رغم قلة ذات
اليد والفاقة .
الكل في العصر الحالي يطرح سؤال لماذا تراجعنا !؟ الجواب يختلف من
العالم للجاهل للمثقف للعامي للتاجر للفقير للغني للقوي للضعيف للحاكم للمحكوم كلن
يدلي حسب مايمليه ظميره وعقله ووجهة نظره .
السبب في نظري هو تدني الأخلاق ومايندرج تحت ذلك من إنحدار في التفاوض
’والمساواة ’والندية ومعاملة المسلمين بينهم البين ’وحب الذات والانانية ,وإنعدام
ثقافة الاختلاف ,وزوال ثقافة الولاء والبراء ,والسعي وراء الشهوات , ,وإنقلاب في
الثوابت التي لامساس فيها ولاتفاوض , وغيرها .
في العصر الحالي لم يربط أغلب العرب بأخلاق إسلامهم وعروبتهم إلا
الإسم الشعار لا الدثار انقلبت المفاهيم لدى الأمة العربية والتي يتوجب عليها
الحفاظ علي أخلاقها أكثر من أي أمة أخرى لانها قامت على غير مثال سابق ولان هذه
الاخلاق مصدر قوتها وسر نهضتها فكانت أمة بهيمية لاتفقه شيئا وما أن إعتنقت الإسلام
حتى هذبها مع صفاء جوهرها حتى سادت وقادت الامم من فارس والروم .
في هذا العصر أصبح اللواط حالة نفسية وحرية شخصية لابد للقانون أن
يكفلها ويحميها وينظر إليها في عالمنا على أنها نتيجة ضغوط أو كبت في الحياة مهما
كان إختلاف التعبير أو التبرير فالجريمة شنيعة لاتقل شناعة عن أي جريمة نكراء يعاقب
عليها قانون الفطرة السوية البشرية , وأصبح الزنا حرية لإختيار النسل أو الإقتران
فإذا مابلغت الفتاة 18 عام حتى يضمن لها القانون في بعض الدول حرية الاختيار والعيش
مع من تريد فاختلط النسل وإنتشر الفساد والفوضى والغوغاء , والشذوذ الجنسي بين
الذكور والذكور والاناث والاناث اصبح يعبر عنه بالحرية الندية او الديمقراطية وهي
تهدم المجتمعات وتقوض بنيانه بعيدا عن اي دين بل من خلال الدراسات الاجتماعية
.
أصبح الربا يعرف باسماء أخرى تحايل على الشرع والخلق الرفيع وبعبأة
بلون اخر غير اللون الاسود الذي يدنس الشعوب والامم فتارة تسمى أرباح إدارية وتارة
إستثمار وكأن الله تعالى لم ينزل ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) .
أصبح التحلل من العادات العربية الاصلية والمبادئ الاسلامية القويمة
حداثة وعصرنة وإتباع المستعمر والإقتداء به علم ومعرفة فلذلك فقدنا اخلاقنا التي
بها تميزنا .
لقد خدمنا العدو بعدما سقطت اخلاقنا فحاربنا عنه بالوكالة بنو جلدتنا
حاربنا مبادئنا ساعدنا المحتل دللناه على سؤاتنا حاربنامناهج التعليم لدينا وجميع
الثوابت وطلبة العلم وتراثنا الغني بكل مايمكن مايبني العالم ويرده إلى إنسانيته
.
أخيرا صدق أبو الحسن الندوي في كتابه ( ماذا خسر العالم بإنحطاط
المسلمين ) إنحطت أخلاق العرب والمسلمين فأنحطت أخلاق العالم لأنهم وحدهم القادرين
على قيادة العالم إلى بر الأمان بما لديهم من توجيهات ونصوص مقدسة عصية على التحريف
والشطط ولذلك يهوي العالم كله نحو الهاوية بسرعة مذهلة وإن لم يتدارك الوضع فسيكون
هباء منثورا.
