فلسطين

عاجل :فلسطين لاتسترد إلا بالقوة والأشياء التي حولنا تصنع فينا القوة والنصر أو الضعف والهزيمة وهذه الأشياء أساس العزيمة أو التقاعس..







الاثنين، 28 نوفمبر 2016

على ضفاف الأسى

في تلك الليلة يخيم الظلام على كل شيء لا أدري هل هو ظلام الخوف الذي يلف قلبي فيرجف به , أم هو الظلام الحقيقي , أتقدم خطوة وأعود خطوات لا أهتدي إلى شيء , لا أريد أن أسمع أو أرى  شيئا , ألتفت يمينا ويسارا من شدة الفزع , أحس أن شيء وقع هنا أو هناك لشخص ما , أحسن قطعت من نفسي فرت , نعم وفي لحظة تفكير عميق ,ودقات قلب متسارعة , وخوف لا يعلم مصدره وسببه , صرخ البيت بأٍسره , وضج بمن فيه , وتزلزل بما عليه , منيرة ماتت !! , نعم ماتت , ترجلت عن جوادها الذي فيه طعنات كثيرة , فأول الطعنات من عمتها العقرب ذات الأنف الطويل ,والعينين الصغيرتين ,مليئة الوجه ,مقطبة الجبهة ذات العروق البارزة , كأنها مطرقة , التي توحي بأنها الحبال التي كانت تربط بها منيرة , هذه العمة تتمثل بالطيبة والخلق الرفيع , وهي الشر في مكمنة , عقرب في ثوب امرأة , جعلت من منيرة عبدة في ثوب حرة , تأمرها أن تظل واقفة مادامت جالسة مع النساء.
بناتها يلبسن أجمل الثياب , وتزوجن أفضل الرجال , وتمتعن بكل لجظة ممكن أن تقدم الفتاة كل ماتملك من وقت ودهاء لإمتلاكها , أما منيرة فزوجتها من عدة رجال لمصالحها الشخصية ولتتخلص منها في غفلة تامة من والدها , تزوجت وهي لاتعرف شيئا مما يعرفه النساء من بني جنسها , حتى النقود لا تفرق بين فئاتها , وهذه ليست مبالغة ولكنها الحقيقة الكامنة والمؤلمة والمغيبة .
والطعنة الثانية من والدها الذي يتكلم كالرجال , ويلقح النساء , ويلبس كالرجال , ولكن لا يشارك الرجال فقط إلا في الإسم وعلى المؤائد , عندما رأيته رأيت رجلا نحيلا إلى حد أني ظننته سيسقط في أي لحظة , أو أن هذا النحل يوحي إليك بالهم الذي يعيشه , أو كأنه يخاطب كل من حوله من خلال جسمه أنه مغلوب على أمره و بنته من العمة المتسلطة , حتى لدرجة أنه ينحل ويسمن متى مارأت وأرادت الزوجة ذلك , ثوبه يتأرجح في عنقه كالحبل الذي يخفق في كل لحظة , تدور عينيه في كالمغشي عليه من الموت ينظر لكل شيء في العزاء بتمعن ونظرة تنبي عما وراها , للأواني والرجال والأريكة والوجوه و الأنوار والستائر والأبواب ويرفع رأسه ثم يطرق وكأنه يخاطبها ويخاطب كل صامت ومتحرك يخاطب الكون والثقلان . ماذا فعلت بمنيرة ؟ ماذا قدمت لمنيرة ؟ سأموت وتأنيب الضمير يقتلني ! هذا إن بقي معي ضمير , كنت أنظر إليه وأقول لو أنه يقتل نفسه يكون خير له ولغيره , إخوانها لم يعنيهم من موتها شيئا سوى أنها أختهم أو بالأحرى حضروا ليسكتوا الأفواه التي ستلاحقهم من القبيلة , يقهقهون ويأكلون وكأنها متاع إنكسر , أخوها الأكبر لم يكمل العزاء وسارع بالهروب إلى مدينته المفضلة , نعم لم يعيش يوما على أنها أخته الكبيرة , ومكسورة النفس بعد فقد أمها , بل عاش على أنها خادمة للطهي والنظافة والبيت , عاش ولم يفتقدها يوما إلا إذا تأخر أكله أو لبسه , عاش ليرى منيرة حية ويراها ميتة لم يكن الفارق شيئا يذكر سوى أنها تحمل نفس إسم أبيه . ألا باكيا لمنيرة وناعيا ! , يكون الرثاء أحيانا مرهما لخطأ إرتكبناه في حق إنسان لم نوفيه حقه , ولكنه يخلص حياة كاملة بكل تفاصيلها بكل شفافية وتجرد , رحلت وماتت منيرة لكنها أوقظت قلوبنا غافلة , وفتحت عيون مغلقة , فهذه الحياة الثانية والعمر الجديد الذي يطمح له الخالدون , كل قرابتها تخلوا عنها في لحظة إقتدار منهم وعنفوان وفي لحظة ضعف وإنكسار منها , ولكنها إنتصرت فهي جعلت في كل قلب من قلوبهم ألم وحزن ولوعة وتأنيب للضمير لاينتهي أبدا , هي كانت لهم ذكرى جميلة , وأغصان مثمرة , وزهور يانعة وشذاها فواح تحاول نشرها في كل الأرجاء والأزقة و البيوت , حتى عمتها العقرب لم تحقد عليها يوما بل كانت تقول هي أمي سيظل لها فضل رعايتي وتربيتي , لم تكن منيرة يوما امرأة واحدة بل كانت عدة نساء , سيذكر التاريخ يوما أن جميع من حولها شاركوا في ظلمها بقصد أو يدون قصد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق